ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )
106
الامامة والسياسة
حيث كانت ، وقد سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا ، فأحدث عهدك ( 1 ) ، وانظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك . فقال له موسى : قد فعلت ، وأسندت ذلك إليك . فقال له عمر : لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك ، ولكن أسند إلى من أحببت . فانصرف ، فلما أصبح اغتسل وتحنط وراح ، ولم يشك في الصلب . فلما انتصف النهار ، واشتد الحر ، وذلك في حمارة الصيف ، دعا سليمان موسى ، فأدخل عليه متعبا ، وكان بادنا جسيما ، به نسمة لا تزال تعرض له . فلما وقف بين يديه ، شتمه وخوفه وتوعده ، فقال له موسى : أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي ، ولا قدر جزائي ، إني لبعيد الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين ، مع قدمه ( 2 ) آبائي مع آبائك ، ونصيحتي لهم . قال : فيقول له سليمان : كذبت ، قتلني الله إن لم أقتلك . فلما أكثر على موسى قال له : أما والله لمن في بطن الأرض أحب إلي ممن على ظهرها . فقال سليمان : ومن أولئك واستطير . فقال له موسى : مروان ، وعبد الملك والوليد أخوك ، وعبد العزيز عمك . قال : فكاد سليمان ينكسر . ثم يقول : قتلني الله إن لم أقتلك . فيقول له موسى : ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين ؟ فيقول : ولم ؟ لا أم لك . فيقول له موسى : إني لأرجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى حينئذ قائم في الشمس ، قد ارتفع نفسه ( 3 ) ، وعظم بهره ( 4 ) ، ثم التفت سليمان إلى عمر بن عبد العزيز ، فقال : ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر . قال عمر : فاغتنمتها منه ، ولم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين . فقلت : أجل يا أمير المؤمنين ، امرؤ كبرت سنه ، وكثر لحمه ، وبه نسمة وبهر وسقم . فما أراه إلا ميتا . قال : ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال : من يأخذ هذا الشيخ ، فيستخرج منه هذه الأموال ؟ فقال
--> ( 1 ) أي اكتب وصيتك . ( 2 ) يشير إلى خدمات أبيه نصير ، فكان على حرس معاوية . أما موسى الذي ولد سنة 19 ه ، فقد ولي غزو البحر لمعاوية ، وغزا قبرص وبنى هناك حصونا كالماغوصة وحصن بأنس ، وكان نائب معاوية عليها بعد ذلك ، وشهد مرج راهط مع الضحاك ثم التجأ إلى عبد العزيز بن مروان ، ولما عين بشر بن مروان على العراق جعله عبد الملك وزيرا لبشر ( ولي خراج العراق ) وقيل إن بشر قلده أموره . ( البداية والنهاية 9 / 194 والنجوم الزاهرة 2 / 235 وفيات الأعيان 5 / 318 ) . ( 3 ) يشير إلى نوبة ربو أصابته ، وكان مصابا بانقصاب النفس . ( 4 ) عظم بهره : انقطع نفسه من الإعياء والتعب ، ومرضى الربو ينتصب نفسهم ويعظم في حالة الإرهاق والتعب .